محمد جمال الدين القاسمي
274
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اعترافهم ، إيذانا بأنه أمر لا بدّ لهم منه . كأنه قيل : احك اعترافهم فبكتهم بما يلزمهم من الحجة قُلْ أي : إلزاما لهم وتبكيتا أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي : أبعد أن علمتموه ربّ السماوات والأرض ، عبدتم من دونه غيره فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم ، سبب الإشراك ؟ أفاده الزمخشري . لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي : لا يقدرون على نفع أنفسهم ولا على دفع الضر عنها . فكيف يستطيعونه لغيرهم ! فإذن عبادتهم محض العبث والسفه ! قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ لما بيّن ضلالهم وفساد رأيهم في الحجة المذكورة ، بيّن أن الجاهل بها يكون كالأعمى ، والعالم بها كالبصير ، والجهل بمثلها كالظلمات ، والعلم بها كالنور ! وكما أن كلّ أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير والظلمة لا تساوي النور ، كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها ! أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ أي : بل أجعلوا ، والهمزة للإنكار وقوله : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ صفة ل ( شركاء ) داخلة في حكم الإنكار فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أي : خلق اللّه وخلقهم ؛ والمعنى : أنهم ما اتخذوا للّه شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق ، فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق اللّه فاستحقوا العبادة كما استحقها . ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق ، فضلا عما يقدر عليه الخالق . قال الناصر : وفي قوله تعالى : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ في سياق الإنكار ، تهكم بهم ، لأن غير اللّه لا يخلق خلقا البتة ، لا بطريق المشابهة والمساواة للّه ، تقدس عن التشبيه ؛ ولا بطريق الانحطاط والقصور . فقد كان يكفي في الإنكار عليهم ، أن الشركاء التي اتخذوها لا تخلق مطلقا ، ولكن جاء في قوله تعالى : كَخَلْقِهِ تهكم يزيد الإنكار تأكيدا ! قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أي : لا خالق غير اللّه ، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة ! وَهُوَ الْواحِدُ أي . المتوحد بالربوبية الْقَهَّارُ الذي لا يغالب ، وما عداه مربوب ومقهور ! ثم ضرب تعالى مثلين للحق في ثباته وبقائه ، والباطل في اضمحلاله وفنائه بقوله :